منتديات كل العرب

البرامج الجديدة


    تركيا وتفجير المنطقة

    شاطر
    avatar
    عمر
    Admin
    Admin

    ذكر عدد الرسائل : 856
    العمر : 39
    الموقع : كل العرب
    نشاط العضو :
    93 / 10093 / 100

    علم بلادك :
    رتبة العضو :
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : 29/10/2007

    تركيا وتفجير المنطقة

    مُساهمة  عمر في الثلاثاء أكتوبر 30, 2007 4:46 pm

    تركيا وتفجير المنطقة
    القدس العربي اللندنية

    عبد الباري عطوان

    إذا نظرنا إلي الأزمة الحالية المتفاقمة بين تركيا وحكومة كردستان العراق، من زاوية الربح والخسارة، يمكن القول بان حكومة رجب طيب اردوغان ستكون الرابح الأكبر أيا كانت النتائج، بينما ستكون الولايات المتحدة وحلفاؤها في العراق، عرباً وأكرادا الخاسر الأكبر دون جدال.

    رئيس الوزراء التركي اظهر حنكة سياسية غير مسبوقة، عندما أدار الأزمة هذه بذكاء شديد، والقي بالكرة في الملعب الأمريكي، وجلس يتفرج من بعيد منتظرا الحصاد الكبير.

    الارتباك الأمريكي بدا واضحا من خلال الاستجداءات المتكررة من قبل الإدارة الأمريكية، والرئيس جورج دبليو بوش علي وجه الخصوص، لتركيا بضبط النفس، وعدم المضي قدماً بتهديداتها باجتياح شمال العراق لتدمير قواعد حزب العمال الكردستاني، وتقاطر المسؤولين العراقيين، وآخرهم السيد طارق الهاشمي نائب الرئيس العراقي، إلى العاصمة التركية بحثاً عن حلول دبلوماسية للأزمة.

    ما تريده تركيا، اي منع حزب العمال الكردستاني من شن هجمات علي أراضيها من شمال العراق، سيتحقق، أو بالأحرى بدأ يتحقق فعلا، حتى قبل أن تحرك جنديا واحدا، والاهم من ذلك أن هذه الأزمة خلقت وحدة نادرة بين المؤسستين السياسية والعسكرية رغم التناقض الكبير بينهما.

    فللمرة الأولي، ومنذ فوز حزب العدالة والتنمية الإسلامي بزعامة اردوغان بأغلبية المقاعد البرلمانية وتشكيل الحكومة، يجد هذا الحزب نفسه مدعوما من قيادات الجيش التركي، الذين نظروا إليه بارتياب، باعتباره يشكل تهديدا للعلمانية في تركيا، وتراث مهندسها كمال أتاتورك.

    والاهم من ذلك إن الأتراك اثبتوا عمليا أنهم يقدمون مصالحهم الوطنية علي تحالفهم مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولا يترددون لحظة واحدة في التأكيد علي قرارهم السيادي المستقل إذا تعارضت المصالح التركية مع مصالح الحليف الاستراتيجي الأمريكي، مثلما شاهدنا كيف أغلقت الحكومة التركية أجواءها في وجه الطائرات الحربية الأمريكية المنطلقة من قاعدة أنجليك، وكيف منعت القوات الأمريكية من المرور عبر الأراضي التركية في طريقها لغزو العراق في آذار (مارس) 2003، علي عكس الدول العربية التي فتحت أراضيها وقواعدها وسخرت إعلامها لدعم هذا الغزو.

    أمريكا الخاسر الأكبر لأنها تعيش أكثر من مأزق بسبب هذا القرار التركي بالاجتياح، فقد وحدت السياسة الأمريكية قصيرة النظر في العراق الشعب التركي خلف حكومته أولا، ووحدت أهم عدوين لدودين، أي إيران الشيعية وتركيا السنية ضدها وضد احتلالها للعراق ثانيا، وهو أمر كان من المتعذر تصوره قبل أشهر معدودة. وهو تحالف إذا ما تطور سيشكل ضربة كبيرة لأي تحرك أمريكي لضرب المفاعلات النووية الإيرانية.

    اجتياح القوات التركية لشمال العراق إذا ما حدث سيشكل اكبر إحراج للولايات المتحدة وإدارتها، لان الخيارات الأمريكية ستكون صعبة، علاوة علي كونها محدودة، فالتصدي لهذا الاجتياح سيعني نهاية التحالف الأمريكي ـ التركي، وانضمام تركيا إلي معسكر أعداء أمريكا. وعدم التصدي له ربما يؤدي إلى انهيار التحالف الكردي الأمريكي، وإظهار أمريكا في مظهر الضعيف في أعين جميع شعوب المنطقة.

    فالانجاز الأكبر الذي حققته القيادات الكردية وسط حالة الانهيار والتمزق التي تسود العراق حاليا، هو الأمن والاستقرار اللذان تنعم بهما مناطقهم هذه الأيام، وهذا الاستقرار دفع هذه القيادات إلى التصرف وكأنهم يتزعمون دولة مستقلة، يفتحون المطارات، ويرفعون العلم الكردي، ويلغون تدريس اللغة العربية، ويستعرض زوارهم حرس الشرف في المطارات، والاهم من ذلك يوقعون اتفاقات تنقيب مع شركات نفط عالمية دون موافقة، أو حتى استشارة، الحكومة المركزية في بغداد. وأي اجتياح تركي سيعني الفوضى والانهيار الأمني، وربما نهاية حلم الاستقرار، ونسف مقومات السيادة المتنامية.

    الحكومة التركية أدارت الأزمة بحكمة كبيرة، عندما مهدت للاجتياح دستورياً، من خلال خطوات بطيئة ومدروسة، مثل اللجوء إلى البرلمان والمؤسسات الديمقراطية، والاحتفاظ بحق التنفيذ في اي وقت، وقذفت بهذا التصرف العاقل الموزون بالكرة إلى ملاعب الآخرين جميعا، وحصلت في الوقت نفسه علي تأييد ومساندة أهم جارين وهما إيران وسورية، حيث أعرب رئيس الأخيرة عن مساندته للحق التركي في اجتياح شمال العراق، وهو تأييد ينطوي علي نحو تحالف استراتيجي جديد، ربما يتطور إلى تحالف ثلاثي بين دولتي محور الشر (إيران وسورية) ودولة إقليمية عظمي هي تركيا.

    الغرب يدفع بتركيا للاتجاه شرقاً والعودة إلى ماضيها الإمبراطوري الإسلامي، سواء من خلال إغلاق باب الانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي في وجهها، لأسباب عنصرية دينية، أو باستفزاز مشاعرها القومية وتوجيه اهانات لها، من خلال تحريك ملف مجازر الأرمن، مثلما فعلت لجنة في الكونغرس الأمريكي مؤخراً.

    ومن المفارقة أن القيادة الكردية العراقية التي تجد نفسها في مأزق خطير، وجدت نفسها وحيدة دون أي حلفاء عرب أو مسلمين في مواجهة هذه التهديدات التركية، مما يعكس قصر نظرها، وغياب الحكمة والعقل عن دوائر صنع القرار في مؤسساتها السياسية والدبلوماسية.

    ولعل الشخص الوحيد الذي هب إلى نجدتها هو السيد نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي الذي وعد السيد اردوغان بتصفية قواعد حزب العمال الكردستاني في شمال العراق في مكالمة هاتفية أجراها مع الأخير. ولا نعتقد أن السيد اردوغان سيأخذ كلام المالكي علي محمل الجد، لأنه يعرف بأنه لا يملك جيشا ولا طائرات أولا، وغير مسموح له أن يقرر بشأن إقليم كردستان ثانيا، ولا يستطيع حماية نفسه ثالثا.

    تركيا تستعيد مكانتها كقوة إسلامية إقليمية عظمي بشكل متسارع وتدير ظهرها إلى الغرب، وأمريكا علي الخصوص، بخطوات تدريجية مدروسة، فهي تقدم نموذجا للديمقراطية في السيادة والحكمة والقرار المستقل والتقدم الاقتصادي والقوة العسكرية، غير موجود في العالم الإسلامي بسبب حالة الإذلال التي تعيشها شعوب المنطقة علي يد الأنظمة الديكتاتورية، والحروب الأمريكية الفاشلة في أفغانستان والعراق والمتوقعة ضد إيران.

    تركيا هددت سورية بالاجتياح العسكري ردا علي هجمات مماثلة لحزب العمال الكردستاني، فالتقط الرئيس الراحل حافظ الأسد الرسالة بسرعة، وبادر إلى إبعاد عبد الله أوجلان إلى نيروبي لكي يقع في شباك المخابرات التركية وينتهي به المطاف خلف قضبان سجونها، وهي الآن تلوح بالورقة نفسها ضد السيدين جلال الطالباني ومسعود البارزاني في شمال العراق، فهل يفعلان ما فعله الأسد الكبير ويرفعان ما فعله الأسد الكبير ويرفعان الراية البيضاء، وينقلبان ضد أبناء جلدتهما؟ ليس أمامهما أي خيار آخر في واقع الحال.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء سبتمبر 19, 2018 4:30 pm